ابن تيمية

34

مجموعة الفتاوى

فَمَبْدَأُ الْعِلْمِ الْحَقِّ وَالْإِرَادَةِ الصَّالِحَةِ : مِنْ لَمَّةِ الْمَلَكِ . وَمَبْدَأُ الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَالْإِرَادَةِ الْفَاسِدَةِ : مِنْ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أَيْ : يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } . وَالشَّيْطَانُ وَسْوَاسٌ خَنَّاسٌ إذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ خَنَسَ فَإِذَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ وَسْوَسَ فَلِهَذَا كَانَ تَرْكُ ذِكْرِ اللَّهِ سَبَباً وَمَبْدَأً لِنُزُولِ الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ وَالْإِرَادَةِ الْفَاسِدَةِ فِي الْقَلْبِ وَمِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى : تِلَاوَةُ كِتَابِهِ وَفَهْمُهُ وَمُذَاكَرَةُ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : " وَمُذَاكَرَتُهُ تَسْبِيحٌ " . وَقَدْ تَنَازَعَ أَهْلُ الْكَلَامِ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ عَقِبَ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ . وَقَالَ الْمُنْكِرُونَ لِلتَّوَلُّدِ : بَلْ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى . وَالنَّظَرُ إمَّا مُتَضَمِّنٌ لِلْعِلْمِ وَإِمَّا مُوجِبٌ لَهُ . وَهَذَا يَنْصُرُهُ الْمُنْتَسِبُونَ لِلسُّنَّةِ مِن المُتَكَلِّمِينَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن الفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَتْ الْمُتَفَلْسِفَةُ : بَلْ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ مِن العَقْلِ الْفَعَّالِ عِنْدَ اسْتِعْدَادِ النَّفْسِ لِقَبُولِ الْفَيْضِ . وَقَدْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ هُوَ " جِبْرِيلُ " . فَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِينَ " إنَّ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ " فَهُوَ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ مُعَلِّمُ كُلِّ عِلْمٍ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ؛ لَكِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِنَفْسِ السَّبَبِ